محمد خليل المرادي
323
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
علماء دمشق . ووالده وأخوه يصنعان الصناديق . فجدّ بنفسه وجاور بمصر مرّتين ، وأخذ عن علمائها ، كالإمام السيّد علي الضرير وغيره . وكان يقرئ في الجامع الأمويّ عند باب الصنجق « 1 » ، وكتب بخطّه كتبا كثيرة ، وكلّها مملوءة بالحواشي وتقريرات مشايخه على طريقة المصريين في كتابه جميع ما يقرءون . وله من التآليف : شرح على البردة ، وشرح على الشمائل . وله رسالة في إعراب « فضلا وتارة » ، ونحوهما من بقيّة العشر كلمات التي ألّف فيها ابن هشام رسالة ، فاختصرها المترجم . وكان يحبّ العزلة ولا يخلو من سوداء في طبعه . وولي الخطابة في مدرسة الوزير إسماعيل باشا العظم في سوق الخيّاطين بالقرب من محكمة الباب . وكذلك صار أمين الكتب الموضوعة هناك الموقوفة . وسافر إلى القسطنطينيّة في الروم . ومن ثمة رحل إلى طرابلس الغرب ، وحاكمها إذ ذاك الشهير علي باشا « 2 » . وفي آخر عمره حصل له داء ضيق النفس . وبالجملة ففضله أشهر من أن يذكر . وكانت وفاته في سنة أربع وستّين ومائة وألف . ودفن بتربة الباب الصغير رحمه اللّه تعالى . عبد الرحمن القاري « 3 » - 1132 ه عبد الرحمن بن أحمد بن محمّد بن علي بن عمر ، المعروف كأسلافه بالقاري ، الحنفي الدمشقي . أحد الصدور من أعيان دمشق ورؤسائها . كان شهما معتبرا ماجدا سخيّا جوادا ممدوحا ، ذا همّة عليّة وإقدام في الأمور ، مع جاه عظيم وثروة باذخة وعزّ وسعد ، مقبول الشفاعة ، محترما عند الصّغار والكبار . وكان يجلّ العلماء ويكرمهم . وكان جسورا متكلّما فصيح المقال . آية باهرة في الأمور الخارجية . وبضاعته كانت من العلم مزجاة جدّا . ولد بدمشق في سنة اثنتين وسبعين وألف ، وبها نشأ في كنف والده . كان والده منفصلا عن قضاء آمد ، من مشاهير الأمجاد الرؤساء . وتوفّي في سنة ثمانين وألف . وولده المترجم ظهر شأنه وعلا قدره وتبسّم ثغر إقباله وأزاحت ديجور الإدبار أنوار سعده وإجلاله ، حتى خطبته العليا ، واشتهر بين أبناء الدنيا . وحين قدم واليا إلى دمشق ، وأميرا على الحاج ، الوزير رجب باشا « 4 » ، انتمى المترجم إليه .
--> ( 1 ) الباب الكبير الأوسط ، الذي كان يعلّق عليه الصّنجق المملوكي ، إيذانا بالاستعداد للحجّ . ( 2 ) حكم أحمد باشا القرمانلي طرابلس من سنة 1123 ه حتى سنة 1158 ه ، ثم خلفه ابنه محمّد الذي توفّي سنة 1167 ه ، وخلفه ابنه عليّ الذي حكم حتى سنة 1210 ه ، أي أنّه حكم بعد وفاة المترجم ، ونرجّح أنّ المقصود هو محمّد باشا ، واللّه أعلم . انظر : تاريخنا - دار التراث - ليبيا 5 / 70 . ( 3 ) يوميّات شامية / 319 . ( 4 ) دخل دمشق يوم الاثنين 14 ربيع الأوّل سنة 1130 ه ، يوميّات شاميّة / 280 .